الاستراتيجية الأميركية: ربع قرن من التحولات (9)
د. عصام عبد الشافي
خمس سنوات فقط، كانت كفيلة بالكشف الدقيق عن أبعاد وأدوات الحضور الأميركي، خارجيًا، ومؤشرات التراجع والانهيار داخليًا، فخلال الفترة من 2019 و2024 تعددت التحولات الخارجية والداخلية، التي كانت لها انعكاساتها على السياسات الأميركية، بداية من ممارسات ترامب في مواجهة حلفاء الولايات المتحدة، مرورًا بتداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وتداعيات طوفان الأقصى، وصولًا إلى تمرد طلاب عشرات الجامعات الأميركية ضد السياسات الخارجية لإدارتهم، وخاصة تلك الداعمة بلا حدود لحرب الإبادة الجماعية التي يشنها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين.
مؤشرات الهيمنة وإعادة هيكلة الوجود الأميركي في أوروبا والشرق الأوسط
أعلنت وزارة الدفاع الأميركية عن تطوير عمليات تدريب وتجهيز الجيش الأوكراني، مما يعكس التزام إدارة الرئيس جو بايدن طويل الأمد، لدعم أوكرانيا في حربها مع روسيا، ومن شأن هذا القرار تعزيز نظام التدريب والمساعدة، الذي أُنشئ في أعقاب الغزو الروسي في فبراير 2022. النظام سيكون تحت قيادة واحدة جديدة مقرها ألمانيا ويقودها جنرال أميركي رفيع المستوى، كما التزمت الإدارة الأميركية بضخ عشرات المليارات من الدولارات مساعدات عسكرية لأوكرانيا، آخرها، وليس الأخير، إقرار الكونجرس الأميركي بمجلسيه مساعدات بقيمة 61 ملياراً في 25 أبريل 2024.
القيادة الأميركية الجديدة ستنفذ القرارات التي اتخذتها مجموعة الاتصال الدفاعية الأوكرانية، وهي تحالف من 40 دولة أنشأته وزارة الدفاع بعد الغزو الروسي؛ لتلبية احتياجات أوكرانيا وطلباتها، وسيُكرَّس حوالي 300 شخص للمهمة، التي سيكون مقرها مدينة فيسبادن بألمانيا، حيث مقر الجيش الأميركي في أوروبا. ويجري بالفعل الكثير من تدريبات الجنود الأوكران على أنظمة الأسلحة الأميركية هناك أو بالقرب منها، وصُمِّمَت التغييرات على غرار جهود التدريب والمساعدة الأميركية في العراق وأفغانستان على مدار العقدين الماضيين.
وقد اتخذ البنتاغون خطوات لبدء التوحيد المتوقع لمهام التدريب والتجهيز، حث انتقلت وحدة من المتخصصين في مجال الخدمات اللوجستية والتجهيزات العسكرية تحت مسمى “المركز الدولي لتنسيق المانحين”.
وفي نفس السياق دفعت الحرب الروسية ـ الأوكرانية، من ناحية، وتداعيات طوفان الأقصى من ناحية ثانية، في اتجاه إعادة صياغة الاستراتيجيات الأمنية للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وهو ما تجسَّد في توجه العديد من الدول الأوروبية نحو تحديث وتقوية منظوماتها العسكرية، والدعوات إلى تشكيل قوة أوروبية موحدة، فضلاً عن توجه الولايات المتحدة نحو تعزيز حضورها العسكري في القارة الأوروبية والشرق الأوسط، وحوض المتوسط، وتأكيدها أولوية الدفاع عن أمن حلفائها وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، وهي تحركات تستهدف على نحو رئيسي الاستجابة للبيئة الأمنية الحالية في أوروبا والمنطقة، وما فرضته حرب أوكرانيا والطوفان من تحديات.
ولا يمكن فصل التوجه نحو إعادة نشر وزيادة أعداد القوات الأميركية في أوروبا عن الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى تعزيز الحضور في أوربا، خصوصاً في منطقتَي الوسط والشرق القريبة من روسيا، بهدف ممارسة الضغط على روسيا ومواجهة النفوذ والاختراق الصيني المتنامي في شرق أوروبا فضلاً عن تعزيز تحالف الولايات المتحدة مع دول المنطقة.
وقد تصاعدت مؤشرات توجُّه الولايات المتحدة نحو تعزيز حضورها العسكري في أوروبا والشرق الأوسط، بين عامي 2021 و2024:
أول المؤشرات، تعزيز القوات والقواعد الأميركية في أوروبا، ففي 22 مايو 2022، أكدت الخارجية الأميركية، أن الولايات المتحدة ستحتفظ بالقوات التي نشرتها في أوروبا، بعد دخول روسيا إلى أوكرانيا، كما أكدت أنها ستحتفظ بـ 100ألف جندي في أوروبا؛ لمواجهة التهديدات الروسية. وأن عدد القوات قد يزداد مؤقتاً إذا أجرى الناتو مزيداً من التدريبات العسكرية في المنطقة، كجزء من السعي إلى ردع روسيا عن تهديد أي حليف أوروبي لواشنطن.
وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، إنه يؤيد إنشاء قواعد أميركية دائمة في أوروبا الشرقية رداً على هجوم روسيا على أوكرانيا، وأضاف أن انتشار القوات الأميركية في تلك القواعد يمكن أن يكون دورياً، مشيراً إلى أنه لا يعتقد أن الولايات المتحدة بحاجة إلى نشر قوات على نحو دائم لخلق قوة ردع فعَّالة.
وما يُكسب هذه الفرضية زخماً متزايداً، التقديرات الغربية التي تذهب إلى أن قرار إقامة قواعد عسكرية دائمة في منطقة شرق أوروبا والبلطيق سوف يَلقى ترحيباً كبيراً من العديد من حلفاء واشنطن في المنطقة، مثل بولندا ورومانيا، بل إنهم سوف يتولون بناء هذه القواعد وتحمُّل نفقاتها.
ثاني المؤشرات، إعادة نشر قوات في شرق أوروبا، فقد أرسلت الولايات المتحدة نحو 2000 جندي من قاعدة فورت براج العسكرية بولاية نورث كارولينا، إلى بولندا وألمانيا، وينتمي نحو 1700 من القوات الأميركية التي غادرت “فورت براج” إلى الكتيبة 82 المحمولة جواً من القوات الخاصة البرية، وقد اتجهوا مباشرةً للتمركز في قاعدة بونانزا الأميركية على الأراضي البولندية في شرق أوروبا.
كما أن نحو ألف من الجنود الأميركيين المتمركزين في ألمانيا تمت إعادة نشرهم في رومانيا، وسيكونون جزءاً من قوة سترايكر، وسوف ينضمون إلى نحو 900 جندي أميركي موجودين بالفعل على الأراضي الرومانية. وبالإضافة إلى تلك القوات، هناك أيضاً 7 آلاف من القوات الأميركية يجري نشرهم بطريقة تدويرية عبر دول أوروبا الأعضاء في حلف الناتو كجزء من قوة العزم الأطلسي، ومقرها بوزنان في بولندا.
عندما تحارب الإمبراطورية عبر شبكة من التحالفات الدولية
أما ثالث المؤشرات فكان تعزيز دور مؤسسات الشراكة الأوربية – الأميركية، فقد أكدت تداعيات الحرب في أوكرانيا وفي فلسطين على الدور القيادي الأساسي لواشنطن، باعتبارها حامية الأمن الأوروبي، وبرهنت لحلفائها من الناتو على واقع أنهم لن يستطيعوا حماية أنفسهم إلا تحت المظلة الأميركية.
إذ فشل الاتحاد الأوروبي في تحقيق استقلاله الاستراتيجي الخاص على الرغم من كل خططه وطموحاته. بينما فشلت المؤسسات الأخرى، مثل الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، في الاستجابة بالشكل المناسب للهجوم الروسي والتهديد الأمني الذي باتت موسكو تمثله على أوروبا، كما فشلت هذه المؤسسات في حفظ السلم والأمن الدولي في ظل تداعيات طوفان الأقصى منذ السابع من أكتوبر 2023.
وأعاد حلف الناتو اكتشاف مهمته الأصلية بعد انسحابه من أفغانستان، والتي تتمثّل في احتواء روسيا، لكن أحد الفروق الأساسية هنا تكمن في أن الناتو سينسق عن قربٍ أكثر مع الشركاء الآسيويين، في أعقاب تصنيف الحلف للصين كخصم. وستقود الولايات المتحدة التجمع الغربي، الذي يضم أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا ونيوزيلندا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، في السعي من أجل احتواء روسيا والصين في آنٍ واحد. وستأتي تلك القيادة من خلال الحوار الأمني الرباعي، واتفاقية أوكوس، والتحالفات الثنائية مع الدول الآسيوية.
وتمثل المؤشر الرابع في إطلاق عملية حارس الازدهار، ففي 19 ديسمبر 2023، أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، عن تشكيل قوة متعددة الجنسيات لحماية التجارة بالبحر الأحمر في أعقاب هجمات شنها الحوثيون على سفن متجهة إلى إسرائيل، وقال أوستن، خلال زيارته البحرين التي تضم مقر الأسطول الأميركي الخامس، إن الدول المشاركة في القوة هي بريطانيا والبحرين وكندا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وسيشيل وإسبانيا، مضيفا أنها ستنفذ دوريات مشتركة في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، لضمان حرية الملاحة وتعزيز الأمن الإقليمي، وتشكيل تحالف دولي لضمان أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
الداخل الأميركي ومستقبل الدولة والإمبراطورية
وفي ظل هذه المؤشرات سيتعين على واشنطن تولّي دور القيادة في مساعدة حلفائها من أجل العثور على بدائل استراتيجية لحماية الأمن الإقليمي والدولي، وسيكون على الولايات المتحدة أن تنظر إلى ما هو أبعد من حلف الناتو عند تقييم الأهمية الاستراتيجية لأوروبا، وأبعد من فكرة القواعد العسكرية وتشكيل التحالفات الإقليمية، لفرض الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، خاصة وقد كشفت ممارسات الإدارة الأميركية عن تراجعات حادة في صورة الولايات المتحدة والتقييم الاستراتيجي لدورها، ليس فقط بين دول المنطقة وشعوبها، ولكن أيضاً بين أهم شريحة سكانية في المجتمع الأميركي، والمتمثلة في طلاب الجامعات.
فالتمرد الطلابي أو انتفاضة الطلاب أو ثورتهم، أيًا كان التوصيف، الذي شهدته عشرات الجامعات الأميركية، خلال شهر أبريل 2024، يعكس حجم التحول الكبير في بنية المجتمع الأميركي، ويعود بنا إلى كتابات صمويل هنتنجتون وجيمي كارتر ونعوم تشومسكي، حول أن الداخل الأميركي وتحولاته البنيوية يمكن أن يكون صاحب القول الفصل في بقاء واستمرار الهيمنة الأميركية.
وسيكون التحدي أكبر نطاقًا وأشد أثرًا في حال عاد دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة في انتخابات نوفمبر 2024، وخاصة أن ولايته الأولى بين يناير 2017 ويناير 2021، كانت كارثية على بنية المجتمع الأميركي وأطلقت العنان لتمدد وتصاعد حضور وتأثير التيارات شديدة اليمينية والعنصرية، بل والصهيونية. وإذا عاد ترامب على وقع تداعيات الانتفاضة الطلابية، وتلويحات سابقة لكل من كاليفورنيا وتكساس بالانفصال عن الولايات المتحدة، فإننا يمكن أن نكون أمام واقع جديد، عنوانه الكبير: عندما تنهار الإمبراطوريات من الداخل”.

